عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

84

معارج التفكر ودقائق التدبر

ولم يكن واقع الإنسان العربيّ بطبيعته الفطريّة ، محتاجا من الناحية الفكريّة إلى أكثر من هذا الاستدلال ، إذ لم تكن لديه شبهة حول ثبات صفات الرّب الخالق جلّ جلاله إذا هو آمن به ، فلم ينزل في العهد المكّيّ دفع شبهة اللّغوب ، وهو : التّعب والكلل من ممارسة الخلق الأوّل ، الّتي أثارها اليهود في العهد المدنيّ . فأخّر اللّه إنزال النصّ الّذي يكذّب به مقالة اليهود ، وضمّه إلى سورة ( ق ) المكيّة ، وجعله بعد كلّ المعالجات الّتي عالج بها المكذّبين من مشركي مكّة في السّورة ، وقبل ما يخصّ معالجة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم التربويّة ، وهو الآية ( 38 ) من السورة . * * * ( 10 ) التدبّر التحليلي للدرس السادس من دروس السورة وهو الآيات من ( 16 - 18 ) قول اللّه عزّ وجلّ : [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ( 17 ) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) بعد أن جاء في السّورة إثبات قضيّة البعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء . وبعد أن جاء فيها الإلزام بقدرة اللّه على الإحياء بعد الموت ، عن طريق الحجّة البرهانيّة . يأتي هذا الدرس السادس منها لشرح قضيّة مراقبة اللّه والمكّلفين بالمراقبة من ملائكته ، للإنسان في أعماله الباطنة والظاهرة في الحياة الدّنيا ، لمحاسبته يوم الدين على ما كان منها من كسبه الإراديّ المسؤول عنه ، لأنّه هو الذي جعل مخيّرا فيه ذا إرادة حرّة ، ليبتلى عن طريقه في ظروف الحياة الدّنيا .